ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

150

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجّلة عليهم باستحقاق أشد العذاب وأبلغه . وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض ، وبه تعريف موقع التكرير ، والفرق بينه وبين غيره ؛ فافهمه إن شاء اللّه تعالى . الفرع الثاني من الضرب الأول : إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدلّ على معنى واحد ، والمراد به غرض واحد ؛ كقوله تعالى : فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر والتكرير دلالة [ على ] التعجب من تقديره وإصابته الغرض ، وهذا كما يقال : قتله اللّه ما أشجعه ! أو ما أشعره ! وعليه ورد قوله الشاعر : ألا يا اسلمي ثمّ اسلمي ثمّت اسلمي « 1 » وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة ، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد وإثباته . وعليه ورد الحديث النبوي ؛ وذاك أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّا فلا آذن ثمّ لا آذن إلّا أن يطلّق عليّ ابنتي وينكح ابنتهم » فقوله : « لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن » من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز ؛ لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع عليّ رضي اللّه عنه من التزوج بابنة أبي جهل بن هشام . وهذا مثل قوله تعالى : أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ومن أجل ذلك نقول : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ؛ لأن قولنا : « لا إله إلّا اللّه » مثل قولنا : « وحده لا شريك له » وهما في المعنى سواء ، وإنما كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته ، وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثّنوية ، والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز ، وأحسن ، وأسدّ موقعا . ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى : الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا

--> ( 1 ) عجز هذا البيت قوله : ثلاث تحيّات وإن لم تكلّمي